صفي الرحمان مباركفوري

13

الرحيق المختوم

وسياق القصة يدل على أنها وقعت قبل ميلاد إسحاق ، لأن البشارة بإسحاق ذكرت بعد سرد القصة بتمامها . وهذه القصة تتضمن رحلة واحدة - على الأقل - قبل أن يشب إسماعيل ، أما الرحلات الثلاث الآخر فقد رواها البخاري بطولها عن ابن عباس مرفوعا « 1 » وملخصها أن إسماعيل لما شب وتعلم العربية من جرهم ، وأنفسهم وأعجبهم زوجوه امرأة منهم ، وماتت أمه ، وبدا لإبراهيم أن يطالع تركته فجاء بعد هذا التزوج ، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه وعن أحوالهما ، فشكت إليه ضيق العيش فأوصاها أن تقول لإسماعيل أن يغير عتبة بابه ، وفهم إسماعيل ما أراد أبوه ، فطلق امرأته تلك وتزوج امرأة أخرى ، وهي ابنة مضاض بن عمرو ، كبير جرهم وسيدهم « 2 » . وجاء إبراهيم مرة أخرى بعد هذا التزوج الثاني فلم يجد إسماعيل فرجع إلى فلسطين بعد أن سأل زوجته عنه وعن أحوالهما فأثنت على اللّه ، فأوصى إلى إسماعيل أن يثبت عتبة بابه . وجاء مرة ثالثة فلقي إسماعيل وهو يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ، وكان لقاؤهما بعد فترة طويلة من الزمن ، قلما يصبر فيها الأب الكبير الأواه العطوف عن ولده ، الولد البار الصالح الرشيد عن أبيه وفي هذه المرة بنيا الكعبة ، ورفعا قواعدها ، وأذّن إبراهيم في الناس بالحج كما أمره اللّه . وقد رزق اللّه إسماعيل من ابنة مضاض اثني عشر ولدا ذكرا « 3 » وهم : نابت أو بنالوط ، قيدار ، وأدبائيل ، ومبشام ، ومشماع ، ودوما ، وميشا ، وحدد ، ويتما ، ويطور ، ونفيس ، وقيدمان ، وتشعبت من هؤلاء اثنتا عشرة قبيلة ، سكنت كلها في مكة مدة ، وكانت جل معيشتهم التجارة من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ومصر ثم انتشرت هذه القبائل في أرجاء الجزيرة بل وإلى خارجها . ثم أدرجات أحوالهم في غياهب الزمان ، إلا أولاد نابت وقيدار . وقد ازدهرت حضارة الأنباط في شمال الحجاز ، وكوّنوا حكومة قوية دان لها من بأطرافها ، واتخذوا البطراء عاصمة لهم ، ولم يكن يستطيع مناوءتهم أحد حتى جاء الرومان فقضوا عليهم ، وقد رجح السيد سليمان الندوي بعد البحث الأنيق والتحقيق الدقيق أن

--> ( 1 ) ج 1 / 475 - 476 . ( 2 ) قلب جزيرة العرب ص 230 . ( 3 ) نفس المصدر .